الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فيلم "ليلى والذئاب" لهيني سرور: أرشيف سينمائي ضد النسيان… والمرأة منارة تهدي سبيل المقاومة في فلسطين ولبنان

نشر في  24 أفريل 2026  (23:18)

في إطار الدورة الأولى من أيام السينما الفلسطينية في تونس التي احتضنها سينما الريو من 2 إلى 12 أفريل الجاري، تمّ عرض فيلم ليلى والذئاب للمخرجة اللبنانية المخضرمة هيني سرور، وهو عمل استغرق إنجازه ست سنوات قبل أكثر من أربعة عقود ليُعاد ترميمه واستعادة حضوره كأحد أبرز النصوص السينمائية العربية التي اشتغلت على الذاكرة بوصفها ساحة مقاومة.


لم يقدّم الفيلم نفسه كسرد توثيقي تقليدي، بل كأرشيف مضاد يشتبك مع "التاريخ الرسمي" ويعيد مساءلته. فمن خلال تتبع مسار يمتد على نحو ثمانية عقود من تاريخ الشرق الأوسط، لا يبدو التاريخ كما اعتدنا قراءته بل كما كان يمكن أن يُروى لو لم يُختزل في بطولات الرجال وحدهم. وهو ما اشتغلت عليه هايدي سرور عبر تفكيك بنية السرد التاريخي لا بإضافة النساء إليه فحسب بل بإعادة تشكيل كتابته.



في ليلى والذئاب سعت سرور إلى دحض الفكرة الراسخة التي رفعت راية النضال الرجالي في مواجهة الاستعمار وأقصت المرأة من قلب الفعل المقاوم، وذلك من خلال بناء سردية بصرية بديلة تستعيد تاريخا منسيا للكفاح النسوي في فلسطين ولبنان.

"عمل يمزج بين التاريخ والفولكلور والأسطورة والمواد الأرشيفية، في نسيج بصري غني كما أشار إلى ذلك المخرج البريطاني جون أكومفراه".


ينتظم الفيلم في شكل سلسلة من اللوحات السينمائية التي تنسجها شخصية ليلى التي تقمصت دورها الممثلة اللبنانية نبيلة زيتوني، امرأة لبنانية معاصرة تعيش في لندن تنظم معرضا فوتوغرافيا يهدف إلى "مساءلة" نضالات مجهولة. هذا المعرض لا يشكّل إطارا سرديا فحسب، بل بوابة زمنية تنفتح منها ليلى لتعبر بين الأزمنة وهي ترتدي فستانا أبيض يحمل دلالات رمزية كأنها بُعثت منارة لتضيء مسارات نسوية طُمست منذ زمن بعيد.

"تعرف رفيق ليش الناس قدرو يقاوموا لفترة طويلة؟ توجه ليلى في الفيلم سؤالا جوهريا

من ثلاثينات القرن العشرين إلى الثمانينيات، تتنقل ليلى بين لبنان وفلسطين شاهدة على ما لم يرغب التاريخ "الرجالي" أن نراه أو نسمعه. وفي هذه المسافة يتكثف العنوان كمدخل تأويلي أساسي... "الذئاب" حيث لم تكن مجرد توصيف عابر، بل استعارة مباشرة لـ"الذئاب الشقر" أي الجنود البريطانيين خلال فترة الانتداب حيث يتحول الذئب هنا إلى صورة استعمارية ككائن وحشي لا يكتفي باغتصاب الأرض بل يعمل على افتراس الذاكرة ونهشها.

يبدأ الفيلم بمشهد ليلى وهي ترى وجهها منعكسا في مرآة تمسكها يدها... ترى ليلى وجهها، قبل أن تنقلب الصورة إلى وجه جدتها، امرأة ينهشها النسيان بلا ماض ولا مستقبل خارج الزواج والإنجاب في سياق ثلاثينات لبنان المثقل بالانقسامات الطائفية والعرقية. وفي لحظة مفصلية، تصرخ ليلى: "ما بدي كون هيك" وترمي المرآة في فعل رمزي يكسر الامتداد الصامت لنموذج أنثوي مفروض.


Leila and the Wolves — Heiny Srour [Review] | In Review Online

في فيلم ليلى والذئاب تكرر حضور النساء المنقبات على الشاطئ كعلامة بصرية كثيفة (أكثر من 7 مرات طيلة الفيلم)... سواد حالك يكتم الصوت ويبتلع الملامح ويختزل التناقض بين فضاء مفتوح وجسد مُقيّد. وبين هذه الصورة وخطاب ذكوري جازم بأن "المرأة في تلك الفترة لم تكن لها علاقة بالسياسة"، ينطلق الفيلم في تفكيك هذه المقولة عبر الصورة لا الخطاب.

في استعادة لفلسطين في العشرينات، تظهر في الفيلم مظاهرات رجالية ترفع شعارات وطنية، لكن الكاميرا تنزاح نحو الهامش لتكشف الفعل النسائي غير المؤرشف.. نساء يسكبن الماء الساخن على جنود الاحتلال.. يرمين المزهريات من الشرفات، ويشاركن في المقاومة اليومية التي لم تجد طريقها إلى كتب التاريخ.

«ليلى والذئاب» (هَيني سرور)

بين 1936 و1939، تتكثف هذه القراءة حيث يبرز الفيلم البنية الاستعمارية لفلسطين تحت الانتداب البريطاني، فعل مقاومة رجالي بامتياز في الظاهر مقابل "شبكة" نسائية نضالية تعمل في الظل... إعداد الطعام، نقل المؤونة، التبرع بالذهب، بل وإعادة "إحياء الرصاص" عبر تنظيفه وبرده. حتّى نتبين أن المقاومة لا تقدم كفعل مقرون بحمل السلاح فحسب بل كمنظومة حياة متكاملة نابضة تقف النساء في قلبها.

تغوض هيني سرور بنا في الفيلم لتقدم مشاهد تصوّر كيف يمكن أن تتسع استراتيجيات المقاومة لتشمل التمويه والتخفي عن طريق إخفاء الأسلحة داخل الحلويات والخضار، تمريرها تحت غطاء الحياة اليومية وتحويل المواكب إلى حفلات زفاف. في هذه اللحظة، يتحول اليومي الذي يبدو بسيطا في الظاهر إلى مسرح مقاومة خفي مليء بالبطولات ويغدو الجسد ذاته حاملا للذاكرة والسلاح في استدعاء رمزي لتجارب نضالية أخرى.

Resistance on Multiple Planes: On “Leila and the Wolves” on Notebook | MUBI

غير أن الفيلم لا ينزلق إلى تمجيد أحادي، بل يكشف في الآن ذاته عن عنف اجتماعي تُضرب فيه المرأة وتُهان وتُختزل في أدوار بيولوجية، في مفارقة قاسية بين حضورها في المقاومة وغيابها في الاعتراف.

في المقابل، تُوثق سرور عبر عدستها طبقات زمنية متعاقبة تراوح فيها بين السنوات لا بوصفها تواريخ معزولة بل كمشاهد متجاورة داخل ذاكرة واحدة حيث يصبح الزمن نفسه مادة للمونتاج.

أما في مشاهد 1939، تبلغ الدراما في الفيلم ذروتها حين تلجأ النساء إلى قرص أطفالهن لإجبارهم على البكاء، في محاولة لتشتيت انتباه الجنود وإنقاذ الرجال من إعدام الرصاص.. مشهد يختزل مفارقة قاسية يُصنع فيها النجاة من قمة الألم.

«وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت؟»

أما في سنة 1941، يصدح بالفيلم صوت يتوه من وسط العتمة ليتفوّه بسؤال ذي طابع وجودي- ديني: «وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت؟»، قبل أن تنتقل عدسة الكاميرا إلى أرشيف ملوّن، تتوسطه "العروس السوداء" في دير ياسين كاختزال بصري لجحيم لا ينقضي.

ثم "تهزّنا" سرور إلى أرشيف للتهجير والمخيمات في فلسطين سنة 1948، حيث لا يعود الماضي ماضيا بل يصبح بنية مستمرة فتبرز إحدى أهم أطروحات الفيلم... يتغيّر الزمن لكن المشهد ثابت لا يتغير فالمخيم ليس أثرا من الماضي بل صورة تتكرر تتبدل تفاصيلها، بينما يظل جوهرها بلا تغيير.

Regards Noirs : Leila and the Wolves - La Lumiere Collective

تتحرك ليلى داخل هذه الطبقات الزمنية كظل لا يرى... تسمع نواحا، تشهد طلاقا، وتقرأ على الجدران: "المرأة الفلسطينية على طريق الثورة" غير أن هذا الطريق لا يخلو من التناقض، بين نساء ينخرطن في المقاومة وأخريات يُعاد إدراجهن في منطق الطاعة والخنوع.

تتقدم شخصيات نسائية جديدة نحو مركز السرد السينمائي فتظهر الشابة عائدة، بشعر قصير وتلبس الجينز ترفض الزواج غير مهتمة بالعادات والتقاليد وتشدد على الانخراط في المقاومة قائلة "نحن نعتبر شرف الأرض أهم من حكي الناس"ٍ، في تجسيد لتحول جيل جديد يعيد تعريف الفعل النسوي. ثم تبرز رندة، التي تحمل السلاح وتستشهد لتتحول إلى علامة فارقة على حضور نسائي كامل داخل بنية المقاومة.

Leila and the Wolves' Review: A Masterpiece 40 Years Later

 

في المشاهد الختامية، يحدث تحول بصري بالغ الدلالة... النساء على الشاطئ بلا نقاب في لحظة انكشاف رمزي، قبل أن تعود الصورة إلى التردد بين الكشف والحجب في إشارة إلى أن التحرر ليس لحظة مكتملة بل مسارا مفتوحا لا ينقضي. وفي المشهد الأخير، ترقص ليلى وسط أشباح مقنّعة كأنها تحاكي وطنا يتشظى بين عواصف الطائفية والمذهبية في صورة تختزل التمزق السياسي والاجتماعي في بلدها.

Outliving the Wolves: The Radical Cinema of Heiny Srour | Bidoun

يقدّم فيلم ليلى والذئاب تجربة سينمائية فريدة لا تستعيد الماضي بقدر ما تعيد صقل حقيقته. فيلم عن الذاكرة حين تُقاوم النسيان، وعن التاريخ حين يُعاد كتابته من الهامش.

والأهم أن فلسطين في هذا العمل لم تقدّم كزمن مضى بل كمشهد يتكرر... تتبدل أزياؤه وتتوه أعلامه، لكن جوهره يظل ثابتا بوجع لا يزول ولا ينقضي...

                                                                                                                                                               مـنـارة تلـيجانــي